القرآن الكريم وعالم البحار


تاريخ الاضافة:-2020-07-07 13:57:56 | عدد الزيارات: 440

د. عبد الحميد النجدي 


قال تعالى يصف حال الكفار وأعمالهم والظلمات التي تكتنفهم: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}() يقسّم علماء البحار الأعمال في البحار إلى قسمين حسب العمق للمنطقة البحرية، ابتداء من شاطئ البحر يبدأ العمق بتدرج بميل بسيط حتّى يصل إلى عمق 200م وهذه المنطقة يكون الضوء فيها واضحاً وقاعها غير مظلم. والحيوانات البحرية في هذه المنطقة تستعمل عيونها، وتمتد هذه المنطقة إلى مسافة 1000 متر عن الشاطي وتسمّى منطقة الرصيف القاري، وبعد هذه المنطقة ينحدر قاع البحر انحداراً شديداً فجأة يصل إلى قرابة 11 كم تحت سطح البحر. وأعمق نقطة في المحيط الهادي قرب جزيرة «مندناو» من جزر الفليبين يبلغ عمقها «36201 قدم»، وعند جزيرة غوام في المحيط الهادئ أيضاً تصل إلى عمق 8‚6 ميل تقريباً. وفي تلك الأعماق السحيقة تنعدم الرؤية تماماً لانعدام الضوء حيث الظلام الدامس، لقد اكتشف علماء البحار أنّ الضوء يتناقص تدريجاً في أعماق البحار كلّما ابتعدنا عن سطح البحر حتّى ينعدم بعد «1كم» وهناك تنعدم الرؤية وهذه الحالة لا تكون في البحر القاري الذي عمقه 200م وإّنما تكون في القسم الثاني من البحر الذي تطلق عليه الآية الكريمة صفة {لجّي}. قال ابن منظور في لسان العرب: «ولُجّةُ البَحْر: حيث لا يدرك قعرُهُ... ولُجُّ البحر: الماء الكثير الذي لا يُرى طرفاه... ولُجَّة الماء: معظمه، وخصَّ بعضهم به معظم البحر وكذلك لجّة الظلام... ولُجَّ الليل: شدة ظلمته وسواده، وبحرٌ لُجاجٌ ولُجِّي: واسع اللج». فالآية الكريمة تتحدث عن ظلم البحر الذي صفته {لجّي} ومن معاني اللجي: الذي يحوي معظم الماء، ولا شكّ أنّ الذي يحوي معظم الماء هو القسم الثاني العميق وليس القسم الأول القاري، والآية تتحدث هناك عن أشد الظلمة لتشبّه بها حالة الكافرين: {أو كظلمات في بحرٍ لجّي}. ووصول الإنسان إلى أعماق البحار السحيقة بوسائله الحديثة لم يكن قديماً بل ذلك في قرننا الحالي بشكل أكثر عمقاً. والناس لم يعرفوا صفة البحر وانقسامه إلى بحر قاري ولجّي إلاّ حديثاً فلم يكونوا يعرفوا ذلك في عصر نزول القرآن الكريم ولا في القرون التي تلته وإنّما عرف ذلك حديثاً، وكذلك الظلمة التي في البحر اللجّي لم تعرف إلاّ حديثاً. والسر العجيب الذي تكشفه الآية الكريمة عن عالم البحار أنّها تتحدث عن نوعين من الأمواج فتقول: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} فالهاء تعود إلى البحر اللجي، والموج الأول يغشى البحر اللجي الذي هو في عمقه تحت 200 م ومن ذلك الموج موج آخر، وهو الموج الذي على سطح البحر، وكل من هذين الموجين يشكل تحته ظلمه فتزيد ما تحته ظلاماً ومن فوق هذا الموج الأخير سحاب يحجب أشعة الشمس ويشكل ظلاً تحته. والسر في الآية الكريمة حديثها عن الموج الأول الذي يغشى البحر اللجي فهذا النوع من الموج الذي يتكون بسبب التيارات البحرية أو الهزات الأرضية المستمرة لم يكتشف إلا حديثاً، والتيارات البحرية على قسمين: 1- تيارات دافئة مثل «تيار الخليج». 2- تيارات باردة مثل «تيارات لابرادور». وبسبب هذه التيارات العظيمة تتحرك المياه داخل البحار فتسخّن الماء عند خط الاستواء، وتبرّده عند القطبين، ونتيجة للتفاوت الحراري بين الماءين يجري الماء البارد نحو الدافئ فيحصل التيار المائي الجاري بشكل سريع، وتيار الخليج القادم من خط الاستواء يجري بسرعة 15 كم في الساعة مستغرقاً حجماً بحرياً سعته 145 كم و800م عمقاً. أمّا تيار لابرادور البارد فيأتي من القطب، وتعمل هذه التيارات المتعددة على تنقية مياه البحار والمحيطات وتنظيفها، وبذلك تحميها من التفسخ والتأسّن، وإلاّ لأصبحت تلك المياه آسنة وتجمعت فيها المواد السامة ولم تعد صالحة لمعيشة الحيوانات البحرية فيها. ولدى التدبّر في هذه الآية الكريمة نجد أنّها تشير إلى حقائق علمية لم تكن مكتشفة من قبل البشرية في تلك القرون ولا إلى قرون قريبة إلينا. ومما ينقل أنّ عالم البحار المعروف «كوستو» صاحب الملحمة المصورة المعروفة باسمه والتي عرضت في مختلف قنوات التلفزيون في العالم وفي مختلف اللغات أنّ هذا العالم ألَمَّ بالكثير من أسرار البحار وأسلم حينما تليت عليه هذه الآية الكريمة وعرف معانيها، وأدرك أنّ هذا الكلام لا يمكن أن يصدر من أي مخلوق عاش في شبه جزيرة العرب في ذلك القرن ولا من الناس في القرون السابقة. لانّ الحقائق العلمية التي تتحدث عنها الآية الكريمة لم تكتشف إلاّ في قرننا الحالي، فأدرك أنّ المتكلم هو المطلع على الحقائق وأنّه المرسل لصاحب هذه الرسالة «القرآن الكريم» وإنّه هو خالق البحار والعالم بأسرارها.